القرطبي
298
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة . وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس قال : لما قدم الجارود من البحرين قال : يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا ، وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك ، فقال عمر : من يشهد على ما تقول ؟ فقال : أبو هريرة ، فدعا عمر أبا هريرة فقال : علام تشهد يا أبا هريرة ؟ فقال : لم أره حين شرب ، ورأيته سكران يقئ ، فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة ، ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه ، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر ، فقال : أقم على هذا كتاب الله ، فقال عمر للجارود : أشهيد أنت أم خصم ؟ فقال الجارود : أنا شهيد ، قال : قد كنت أديت الشهادة ، ثم قال لعمر : إني أنشدك الله ! فقال عمر : أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك ، فقال الجارود : أما والله ما ذلك بالحق ، أن يشرب ابن عمك وتسوءني ! فأوعده عمر ، فقال أبو هريرة وهو جالس : يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون ، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله ، فأقامت هند على زوجها الشهادة ، فقال عمر : يا قدامة إني جالدك ، فقال قدامة : والله لو شربت - كما يقولون - ما كان لك أن تجلدني يا عمر . قال : ولم يا قدامة ؟ قال : لان الله سبحانه يقول : " ليس على آمنوا وعملوا الصالحات جناح " فيما طعموا " الآية إلى " المحسنين " . فقال عمر : أخطأت التأويل يا قدامة ، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ، ثم أقبل عمر على القوم فقال : ما ترون في جلد قدامة ؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا ( 3 ) ، فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوما فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة ؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا ، فقال عمر : إنه والله لان يلقى الله تحت السوط ، أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي ! والله لأجلدنه ، ائتوني بسوط ، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير ، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم : أخذتك دقرارة ( 4 ) أهلك ، ائتوني بسوط غير هذا . قال : فجاءه أسلم بسوط تام ، فأمر عمر بقدامة فجلد ،
--> ( 1 ) البرقاني ( بفتح الموحدة وسكون الراء ) : هذه النسبة إلى قرية كانت بنواحي خوارزم وخربت ، وصارت مزرعة . ( الأنساب ) للسمعاني . ( 2 ) تنطع في الكلام : تعمق وغالى . ( 3 ) وجع : مريض . ( 4 ) الدقرارة ( واحدة الدقارير ) : وهي الأباطيل وعادات السوء ، أراد أن عادة السوء التي هي عادة قومك ، وهي العدول عن الحق والعميل بالباطل قد نزعتك وعرضت لك فعملت بها ، وكان أسلم عبدا بجاويا .